مجمع البحوث الاسلامية

380

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

( فدعا ) تدلّ على أنّه متّصل بمحذوف قبله ، التّأويل أنّهم كفروا ولم يؤمنوا ، فدعا موسى ربّه ب أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ . فإن قالوا : الكفر أعظم حالا من الجرم ، فما السّبب في أن جعل صفة الكفّار كونهم مجرمين حال ما أراد المبالغة في ذمّهم ؟ قلت : لأنّ الكافر قد يكون عدلا في دينه ، وقد يكون مجرما في دينه ، وقد يكون فاسقا في دينه ، فيكون أخسّ النّاس . ( 27 : 246 ) القرطبيّ : أي مشركون ، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان . ( 16 : 136 ) البروسويّ : مصرّون على كفرهم ومتابعة هواهم وأنت أعلم بهم ، فافعل بهم ما يستحقّونه . ( 8 : 411 ) الآلوسيّ : فَدَعا رَبَّهُ بعد أن أصرّوا على تكذيبه عليه السّلام أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ أي بأنّ هؤلاء إلخ فهو بتقدير الباء صلة الدّعاء ، كما يقال : دعا بهذا الدّعاء ، وفيه اختصار كأنّه قيل : أنّ هؤلاء قوم مجرمون تناهى أمرهم في الكفر وأنت أعلم بهم ، فافعل بهم ما يستحقّونه . قيل : كان دعاؤه عليه السّلام : اللّهمّ عجّل لهم ما يستحقّون بإجرامهم ، وقيل : قوله : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يونس : 85 ، إلى قوله : فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ . وإنّما ذكر اللّه سبحانه السّبب الّذي استوجبوا به الهلاك ، ليعلم منه دعاؤه والإجابة معا وأنّ دعاءه كان على يأس من إيمانهم ، وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المعجز . ( 25 : 122 ) القاسميّ : أي مشركون مفسدون . ( 14 : 5306 ) المراغيّ : هؤلاء قوم مشركون بك مكذّبون لرسلك . ( 25 : 127 ) الطّباطبائيّ : أي دعاه بأنّ هؤلاء قوم مجرمون ، وقد ذكر من دعائه السّبب الدّاعي له إلى الدّعاء ، وهو إجرامهم إلى حدّ يستحقّون معه الهلاك ، ويعلم ما سأله ممّا أجاب به ربّه تعالى ؛ إذ قال : فَأَسْرِ بِعِبادِي الدّخان : 23 ، إلخ ، وهو الإهلاك . ( 18 : 139 ) مكارم الشّيرازيّ : لقد استخدم موسى عليه السّلام كلّ وسائل الهداية للنّفوذ إلى قلوب هؤلاء المجرمين المظلمة ، إلّا أنّها لم تؤثّر فيهم أدنى تأثير ، وطرق كلّ باب يستطيع طرقه ، ولكن ما من مجيب . لذلك يئس منهم ، ولم ير لهم علاجا إلّا لعنهم والدّعاء عليهم ، لأنّ الفاسدين الّذين لا أمل في هدايتهم لا يستحقّون الحياة في قانون الخلقة ، بل يجب أن ينزل عليهم عذاب اللّه ويجتثّهم ، ويطهّر الأرض من دنسهم ، لذلك تقول الآية الأولى من هذه الآيات : فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ . كم هو مؤدّب هذا النّفور ؟ إنّه لا يقول : اللّهمّ افعل كذا وكذا ، بل يكتفي بأن يقول : اللّهمّ إنّ هؤلاء قوم مجرمون ، لا أمل في هدايتهم وحسب ! ( 16 : 132 ) فضل اللّه : فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فقد تأصّلت الجريمة في كيانهم حتّى لم يعد ينفع في هدايتهم أيّة وسيلة من وسائل التّرغيب والتّرهيب ، وأيّ حجّة . وستتحرّك الجريمة في حياة النّاس من